السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن أتبع هداه
---------------------------------
الــوسـطـيــة
إن من نعم الله على هذه الأمة وتشريفه لها أن جعلها أمة وسطاً خياراً عدولا فقال سبحانه وتعالى :
{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... } سورة البقرة / 142
فهي خير الأمم التي أخرجت للناس وقد وصفها المولى عز وجل وشهد لها بذلك فقال تعالى :
{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... } سورة آل عمران / 110
وإن الأمة في هذه الأيام بأمس الحاجة إلى منهج الوسطية منقذاً لها من هذا الإنحراف الذى جلب عليها الرزايا والمصائب والنكبات ولقد وجدت أن القرآن الكريم ، قد رسم لنا هذا المنهج في جميع جوانبه أصولاً وفروعاً وعقيدة وعبادة وخلقاً وسلوكاً وتصوراً وعملاً
ولقد جاء منهج الوسطية من خلال القرآن الكريم في أساليب عدة تصريحاً وإيماءا ، مفصلاً ومجملا ، خبراً وإنشاءاً وأمراً ونهياً
وهناك أسس تعيننا على معرفة الوسطية على الوجه الدقيق وهى الغلو أو الافراط ، الجفاء أو التفريط ، الصراط المستقيم
الـغــلـو :
لغة هو مجاوزة الحد
وعرفه ابن حجر رحمة الله إذ يقول :
الغلو: المبالغة فى الشيىء والتشديد فيه بتجاوز الحد
وضابط الغلو هو تعدي ما أمر الله به ، وهوالطغيان الذى نهى الله عنه فى قوله تعالى :
{ ... وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ... } سورة طه / 81
يتضح لنا أن الغلو هو : مجاوزة الحد فى الامر المشروع ، وذلك بالزيادة فيه أو المبالغة الى الحد الذى يخرجه عن الوصف الذى اراده وقصده الشارع العليم الخبير الحكيم
وقد جاءت أياتان فى القران الكريم فيهما النهى عن الغلو بلفظه الصريح ، قال تعالى :
{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ } سورة النساء / 171
أما الاية الثانية فجاءت فى سورة المائدة قال تعالى :
{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل } سورة المائدة / 77
وقد وردت بعض الاحاديث التى تنهى عن الغلو ، وذكر بعضها يساعد على فهم بعض الغلو
عن ابن عباس قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته : ( هات القط لي ) ، فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف فلما وضعتها في يده قال : ( بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم بالغلو في الدين ) حديث صحيح
وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( هلك المتنطعون قالها ثلاثا ) المحدث مسلم
قال الامام النووى : هلك المتنطعون : أى المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود فى اقوالهم وأفعالهم
وفي الحديث الحسن الذي صححه الألباني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لاتشددوا على انفسكم فيشدد الله عليكم فأن قوما شددوا على انفسهم فشدد الله عليهم ، فتلك بقايهم فى الصوامع والديار) { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ } سورة الحديد / 27
وعن ابى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أن هذا الدين يسر ، ولن يشاد الدين احدا إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيىء من الدلجة ) المحدث البخاري
قال ابن حجر رحمة الله عليه : والمعنى لا يتعميق احد فى الاعمال الدينية ويترك الرفق الا عجز وانقطع فيغلب ، والتسديد العمل بالسداد ، والقصد والتوسط فى العبادة فلا يقصر فيما أمر به ، ولا يتحمل منها مالا يطيقه
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا الدين متين ، فأوغلوا فيه برفق ) المحدث الألباني
كما أن الحكم على العمل بأنه غلو ، أو أن هذا المرء من الغلاة ، باب خطير ، لا يقدر عليه إلا العلماء الذين يدركون حدود هذا العمل ، وتبحروا في علوم العقائد وفروعها ، لأن الحكم على الشىء فرع من تصوره ، فقد يكون الأمر مشروعاً يوصف صاحبه بالغلو والتطرف والتزمت ونحوها ، ولذلك فإن المعيار في الحكم على الأعمال والأفراد والجماعات هو الكتاب والسنة وليست الأهواء والتقاليد والأعراف والعقول ، وما تعارف عليه الناس ، وقد ضل في هذا الباب أمم وأفراد وجماعات
الإفــراط :
لغة هو : التقدم ومجاوزة الحد
قال ابن فارسي : يقال : أفرط : إذا تجاوز الحد في الأمر ، يقولون : إياك والفرط ، أي لا تجاوز القدر ، وهذا هو القياس ، لإنه إذا جاوز القدر فقد أزال الشىء عن وجهته
قول أم سلمة لعائشة رضي الله عنهما: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاك عن الفرطة في البلاد ) وفي رواية نهاك عن الفرطة في الدين ( يعني السبق والتقدم ومجاوزة الحد والإفراط : الإعجال والتقدم وأفرط في الأمر : أسرف وتقدم وكل شىء جاوز قدره فهو مفرط )
قال تعالى :
{ ... إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى } سورة طه / 45
قال الطبري رحمه الله : ( وأما الإفراط فهو الإسراف والإشطاط والتعدي ، يقال منه أفرطت في قولك ، إذا أسرف فيه وتعدى وأما التفريط فهو التواني ، يقال منه فرطت في هذا الأمر حتى فات ، إذا توانى فيه ) ونخلص مما سبق أن معنى الإفراط : تجاوز الحد ، والتقدم عن القدر المطلوب وهو عكس التفريط
وقد تبين مما سبق من تعريفي الغلو والإفراط أن كلا منهما يصدق عليه : تجاوز الحد ، وقد فسر الغلو بالإفراط كما سبق وإن كل واحد منهما يحمل معنى أبلغ من الثاني في بعض ما يستعمل فيه فالذي يشدد على نفسه بتحريم بعض الطيبات ، أو بحرمان نفسه منها وصف الغلو ألصق به من الإفراط ، والذي يعاقب من اعتدى عليه عقوبة يتعد بها حدود مثل تلك العقوبة وهكذا والذي يهمنا في هذا المقال أن كلا من الغلو والإفراط خروج عن الوسطية فكل أمر يستحق وصف الغلو ، أو الإفراط فليس من الوسطية في شيء
-----------------------------------------------
جزء من مقال د : علي محمد محمد الصلابي
المصدر موقع المختار
دمتم بطاعة الله







said:
said:


said:


said:
said:



من المغرب