بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد الله والصلاة والسلام على من أنار الله به الدرب والطريق وعلى آله وصحبة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
--------------------------------------
رِحــلة خـير إلــى اللّـــه
رحلة الحج هي رحلة الحب إلى الله تعالى وهي رحلة دنيوية يقوم بها العبد ببدنه وافدا إلى الله تعالى ، قال النبي صلى الله عليه وسلم )): الحجاج والعمار وفد الله ، دعاهم فأجابوه ، وسألوه فأعطاهم (( رواه البزار
فهم في وفادة الله تعالى وضيافته وحفظه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم )):ثلاثة في ضمان الله عز وجل ، رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله ورجل خرج غازيا في سبيل الله تعالى ورجل خرج حاجا (( رواه أبو نعيم
وهي نوع من أنواع الجهاد لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء )): لكن أفضل الجهاد حج مبرور (( رواه البخاري . فهي رحلة مصغرة للرحلة الكبرى الرحلة الأخروية .
كـيـف تـعـتبـر رحـلة الحـج رحـلة صـغرى إلـى اللّـه تعالـى :
الإحـــرام :
يقدم الحاج وقد تجرد من متعلقات الدنيا من ثياب ومال وجاه ، وإنما يلبس الثوبين الأبيضين ( الإحرام ( اللذين يدلان على نقاوة وبياضه وصفاء الظاهر متهيئا للقاء الله تعالى
الاهــــلال :
ثم يهل بالحج أي يرفع صوته معلنا للخلق مستبشرا وقد غمره الفرح والسرور أنه مقبل لزيارة من ملك قلبه ورقة لزيارة بيت الله تعالى مستجيبا ملبيا لدعوته ونداء إبراهيم الخليل عليه السلام عندما دعا الناس لزيارة بيت الله سبحانه : يلهج لسانـه بذكره تعالــى .
وحبة قلبه منصبة نحوه ، وفؤاده هاو إليه لذا يجأر بقوله ): لبيـك اللهم لبيـك ( أي لب قلبي وسويداءه قد تعلقت بك مرة بعد أخرى ، فتستجيب الكائنات لإهلاله الصادق فيلبي كل ما عن يمينه وشماله قال صلى الله عليه وسلم )): ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر ، حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا (( رواه النسائي وحسنة السيوطي
عــرفـة :
يحضر عرفة التي هي أول أركان الحج العملية ، وهي منطقة الحل ليست من الحرم . أرض قاحلة جرداء ، لا زينة فيها ولا بناء ، خارجا إلى الله تعالى ، يطلب الأنس به :
وأخـرج مـن بـيت الـبـيوت لـعلـنـي *** أحــدث عنــك النـفـس يـارب خـالـيـا
ثــم يحتشد مع الخلق ، مع الجمع الهائل ، تاركا الملذات والشهوات لأجله ، رغبة فيه ، متواضعا خاضعا لجلاله مستكينا لعزته متجردا من كل عظمة ، قد أظهر رقه وعبوديته وأذعن انقياده ، يعرف نفسه إلى الله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )): تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة (( رواه الترمذي
ومن هنا سميت عرفة ، فكلهم متساوون في المظهر ، يجأرون إلى الله تعالى كأنهم في أرض المحشر - أرض جرداء - مكبرين مسبحين مبتهلين ، كلهم يطلبون ويتقربون ويستغيثون على اختلاف ألسنتهم وأصواتهم وأجناسهم
ما أنت إلا فرد واحد بين هذه الجموع ، هل يقبلك الله تعالى وينظر إليك نظر الرحمة ؟! فأجمع كل همومك وأحزانك وأعرضها على الله تعالى مشتكيا إليه بدلا من الخلق } إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ { سورة يوسف /86
فالاستجابة أسرع إليك من ارتداد طرفك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )): الحجاج والعمار وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم (( رواه البزار
لا يدخلون أرض الحرم ( مزدلفة ) إلا بعد التمرغ لله تعالى طالبين الطهر ليؤذن لهم دخول مزدلفة فيقول الله تعالى )): انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا (( رواه أحمد ، ويقترب منهم قد صفح عنهم وعفا )) ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة . و إنه ليدنوا ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء (( رواه مسلم
مــزدلـفـة :
ثــم ينطلقون إلى المزدلفة وهي أول الحرم - سمي حرما لعظم حرمته - لذا لا يقطع شجره ولا يصاد صيده ، لأنه في حمى الله ، لذا يسمى حمى الملك . يزدلفون إلى الله تعالى ويتقربون إليه } : َفإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ { سورة البقرة198 /
فيلقون بأجسادهم المجردة من الثياب على الأرض العفراء أرض الحرم المباركة . قد مس التراب جلودهم ، مهادهم الأرض ولحافهم السماء ، فيبيتون محبين لله معظمين متضرعين إليه سبحانه ، معلنين لله تعالى أنهم قد صفت سرائرهم وعلانيتهم له سبحانه ، لا حظ للشهوات الدنيوية في قلوبهم ، ولا لتلك الملهيات التي تلهيهم عنه سبحانه ، فتسرح أرواحهم ليلا في حمى مليكها تستنشق عبير الأنس من نسيم رياض القــدس
الجــمـرات :
فيغدون قبل الشروق إلى الجمرة حيث ينتزعون حظوظ الشيطان ودواعي الشر من قلوبهم فيرمونها ويقذفون بها على شكل حصيات سبع وهو العدد التي تستخدمه العرب للدلالة على الكمال والكثرة والشدة بأن حظ الشيطان استخرج منهم ويكبرون الله تعالى مع كل حصية معلنين أن الله في قلوبهم أغلى وأكبر من كل شيء ومن كل حظ . فيملأ الله تعالى قلوبهم التي صفت من الشوائب بنوره العظيم } وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ { سورة الزمر/ 75
ويجازيه بالنور التام يوم القيامة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )): إذا رميت الجمار كان لك نورا يوم القيامة (( رواه البزار
الـهــدي :
ثــم ينحر الهدي الذي هو فداء عن نفسه فكأنما ينحر قلبه لله تعالى يهديه إليه - الهدي تقربا إليه ، ابتغاء مرضاته - فلو كان نحر القلب قربه لنحرته حبا لك وتعبدا كحال إبراهيم الخليل مع إسماعيل ولكن الله تعالى استبدل الذبح به في منى . سميت منى لأن الله تعالى أحب للعبد إراقة دمه لأجله وقدره له . لذا سميت الوفاة منية
الحــلـق :
ثــم يحلق رأسـه تذللا لـه سبحانه ، إذ كانـت العـرب تحـلق ناصية الرجل إذا قصـدت إذلاله
الكــعـبـة :
ثــم يغتسل و يتنظف ويتطيب بأفضل الطيب ويتجمل بأجمل لباس لزيارة الله تعالى ببيته ، فالبيت هو رمز الخلة والمودة والشوق إلى الله تعالى فأنت العابد المحب ، والمحب إذا ما رأى المحبوب فإن أول ما يبدأه به المصافحة الحارة والتقبيل وربما يعانقه وهكذا كان يفعل صلى الله عليه وسلم ، إذ أول ما يبدأ به هو استلام الحجر وتقبيله حبا وشوقا لذا قال ابن عباس رضي الله عنه ): الحجر الأسود يمين الله في الأرض ، فمن صافحه فكأنما صافح الله تعالى ( فيبدأ به حيث نزل من الجنة ) نزل الحجر الأسود من الجنة فكان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك ( رواه أحمد
وهــي أول بيت للعبادة بناه إبراهيم عليه السلام في الأرض لذا سمي بالبيت العتيق ، فكوفئ به في السماء أن استند إلى البيت المعمور الذي هو قبلة الملائكة في السماء السابعة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج بعد مجاوزته السماء السابعة )): ثم رفع به إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه (( متفق عليه ، أي يتعبدون فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم . قال صلى الله عليه وسلم في حديثه )): فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام ، وإذا هو مستند - مسند ظهره - إلى البيت المعمور (( رواه مسلم
الـطــواف :
ثم يبدأ بالطواف حول حبه وغايته ، فالملائكة تطوف حول العرش رغبا ورهبا وحبا وتعظيما وإجلالا
حيث يطوف الحاج حول غايته وحبة ورمز المحبة لله تعالى وهو البيت الحرام البيت العتيق
جاعلا الجانب الأيسر الذي يميل موضع قلبه إليه هو أقر المواضع إلى الكعبة ، فيطوف سبعا وهذا العدد يمثل الكثرة الكاثرة والكمال في طواف حول حبه . لعل باب القبول والقربى يفتح له ، ويفوز بالنظر إلى الله تعالى يوم القيامة . فهو طوف الجسد والقلب و الروح
الـدعـاء فـي طـوافـه :
فاغتنم زيارتك لهذا البيت بالإكثار من الدعاء والسؤال قال صلى الله عليه وسلم )): الحجاج والعمار وفد الله ... دعاهم فأجابوه ، وسألوه فأعطاهم (( رواه البزار ، واهتبل طواف بالسؤال للفوز بالنظر إلى وجهه الكريم وتضرع إليه وأطهر افتقارك إلى جلاله بسؤلك حتى اللقمة وبث إليه همومك وأحزانك
ركـعتـا الـطــواف :
ثــم بعد إظهاره تعلق قلبه بغايته وحبه وهو ربه سبحانه وتعالى يذهب يكلم الله تعالى ويخاطبه ويفضي إليه مما يجول في صدره من حب وتعلق وذلك بالصلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم
زمـــزم :
ثــم لا يتوقف حتى ينطلق إلى زمزم فيملأ جوفه بماء هذا البيت إظهارا لشغفه بكل ما يعلقه بمحبوبة ، فيملأ قلبه وعقله وجوفه بكل ما يذكره بالمحبوب
السـعــي :
ثــم ينطلق بعد تقبيل آخر للحجر الأسود ويمين الله تعالى في الأرض - ينطلق إلى ( الصفا - والصفاء ( يقف عليه معلنا لربه أنه سيصفي قلبه من كل شائبة علقت بقلبه ، ليبقى قلبه خالصا لربه ويتضرع هناك مكبرا معظما لإلهه ( الله أكبـــر ) ثم يوحد اله تعالى وأنه لا معبود إلا هو ولا محبوب إلا هو وأحق الذوات بالوله هو سبحانه ) لا إله إلا الله ( صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ثم ينطلق إلى ) المروة ) فيعلوه معلنا أنه سيطلب المروءة والثبات على ذلك ( فالمروة من المروءة والثبات ) ، هكذا سعيه بين الصفاء والمروة سبعا إظهارا للذل الكامل للحصول على هذه الغاية إلى أن يلاقي ربه تعالى .ويسير ذاكرا لله تعالى بقلبه قبل لسانه ، و يلهج لسانه بذكره سبحانه }: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا { سورة البقرة / 200
ثــم يرجع من هذه الرحلة الدنيوية إلى الله تعالى وقد تخلص من كل الشوائب القلبية وتنقى من كل الآثام }: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى { سورة البقرة /203
وهذه الرحلة الدنيوية إلى الله تعالى بجسده تلخص الرحلة الأخروية يوم الحشر لذا انتهت آيات الحج بالتذكير بيوم الحشر يوم لقاء الله تعالى مع كل الخلاااائق }: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ { سورة البقرة /203
وفي الختــام نسأل الله سبحانه وتعالـى ونتضرع إليه أن يتقبل منــا صالح أعمالنا وأن يوفق حجاجنا لما يحبه ويرضاه من العمل الصالح والحج المبرور
والحمـــد الله رب العـالـمـيــن
-------------------------------------------------
المصدر : كتيب رحلة خير إلى الله والناشر لجنة زكاة الشامية والشويخ
الكاتب : عدنان عبد القادر
دمتم بطاعة الله







said:



السلام عليكم انا صاحب دعاء هز سماء طبعا اني اشكر على نصيحه اخي واشكرك وياريت تراسني على هذا موقع aliraq_3000@yahoo.com